الشنقيطي

225

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إنك لتحمل الكلّ وتعين على نوائب الدهر » « 1 » إلى آخره . وقول عمه أبي طالب : « واللّه ما رأيته لعب مع الصبيان ولا علمت عليه كذبة » إلخ . وقد لقبوه بالأمين . وحادثة شق الصدر في رضاعه ، بل وقيل ذلك في قصة أبيه عبد اللّه ، لما تعرضت له المرأة تريده لنفسها ، فأبى . ولما تزوج ودخل بآمنة أم النّبي صلى اللّه عليه وسلم لقيها بعد ذلك ، فقالت له : لا حاجة لي بك ، فقال : وكيف كنت تتعرضين لي ؟ فقالت : رأيت نورا في وجهك ، فأحببت أن يكون لي ، فلما تزوجت وضعته في آمنة ولم أره فيك الآن ، فلا حاجة لي فيك . فكلها دلائل على أنه صلى اللّه عليه وسلم كان في شخصه بينة لهم ، ثم أكرمه اللّه بالرسالة ، فكان رسولا يتلو صحفا مطهرة ، من الأباطيل والزيغ وما لا يليق بالقرآن . ومما استدل به لذلك قوله تعالى عنه : وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [ الأحزاب : 46 ] فعليه يكون رسول من اللّه بدل من البينة مرفوع على البدلية ، أو أن البينة ما يأتيهم به الرسول مما يتلوه عليهم من الصحف المطهرة فيها كتب قيمة . فالتشريع الذي فيها والإخبار الذي أعلنه تكون البينة . وعلى كل ، فإن البينة تصدق على الجميع ، كما تصدق على المجموع ، ولا ينفك أحدهما عن الآخر ، فلا رسول إلا برسالة تتلى ، ولا رسالة تتلى إلّا برسول يتلوها . وقد عرف لفظ البينة ، للإشارة إلى وجود علم عنها مسبق عليها . فكأنه قيل : حتى تأتيهم البينة الموصوفة لهم في كتبهم ، ويشير إليها ما قدمنا في أخبار عيسى عليه السلام عنه ، وآخر سورة الفتح ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [ الفتح : 29 ] الآية . قوله تعالى : فِيها كُتُبٌ [ 3 ] . جمع كتاب ، وقال الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في إملائه : كتب : بمعنى مكتوبات .

--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الإيمان حديث 3 ، والتعبير حديث 6982 ، ومسلم في الإيمان حديث 252 .